شرقيات بشّار!- نجوان درويش ٢٠٠٥


 

نجوان درويش كيف لفنان أن يعيش مع هذا الكم من النساء الشرقيات دون أن يفسدن حياته؟ خطر هذا في بالي حين دعاني بشّار الحروب لمشاهدة لوحاته قبل أشهر من ..


نجوان درويش، ٢٠٠٥

كيف لفنان أن يعيش مع هذا الكم من النساء الشرقيات دون أن يفسدن حياته؟ خطر هذا في بالي حين دعاني بشّار الحروب لمشاهدة لوحاته قبل أشهر من هذا المعرض.. إفراط في اللون الأزرق، نلحظه مؤخراً في اللوحة الفلسطينية المحاصرة بعماء الاحتلال والخراب البصري في الحياة اليومية، ربما هو تعويض عن غياب الأزرقين الكبيرين: البحر والسماء، واكتظاظ لوني ربما هو نزوع تعويضي جارح لفقر الواقع. ويضاف إلى ذلك في حالة بشار تزاحم وجوه "أنثوية" تذكر بذلك النوع من النسوة الجالسات أبداً على عتبات البيوت، وعلى الشرفات والنوافذ يراقبن الذاهب والراجع، ويبدو أنهن قد راقبن بشّار وفتشن حياته لفترة طويلة.
"انتقم" بشار من شرقياته فوضعهن في لوحات وانتقمن منه كذلك فوضعن حياته في إطار شرقي "حريمي". [حتى حين أتيحت له سفرة نادرة إلى المغرب؛ لم يعد منها سوى بشرقيات مغربيات هذه المرة، يمثلن القسم الماجن في لوحات هذا المعرض..]
الفرق بين المرأة و"الحُرْمة"؛ هذا سؤال أساسي تطرحه شرقيات بشّار.
***
لا بد أن تحيلني هذا المسحة الأيقونية في بعض شرقيات بشار، لفنانين كبيرين: الأول هو بول غيرغسيان في معالجته الأخاذة للأيقونة البيزنطية، وبعض تأثيرات غيرغسيان على بعض هذه "الشرقيات"، والثاني هو كمال بلاطه وتأريخه الفني الذي أوضح الجذور الأيقونية للتشكيل الفلسطيني المعاصر وأثر "مدرسة القدس للتصوير الأيقوني" على نشأة اللوحة الفلسطينية وتطورها، في كتابه الأهم عن الفن الفلسطيني "استحضار المكان"؛ الكتاب الذي أثار جدلاً في وقته، ولم يحظ بفهم صحيح وقراءة منصفة، وخصوصاً فيما يتعلق بتأريخه لأثر الأيقونة، وها هي أعمال فنان فلسطيني من مواليد عام 1978 تكشف الامتدادات الأسلوبية لتأثير الأيقونة الفعلي والذي ما زال فعالاً كما يبدو على اللوحة الفلسطينية.
***
حين طُلب إليّ في شهر أوغست الماضي في برلين أن أقدم محاضرة صغيرة عن "الفن التشكيلي الفلسطيني بين الاحتلال والمنفى" - في إطار مؤتمر أقامته مؤسسة هينريش بول الألمانية - تتضمن عرضاً لنماذج فنية من أعمال جيلين من الفنانين الفلسطينيين؛ الجيل الذي نشأ في المنفى والجيل الأخير الذي نشأ تحت الاحتلال، كان بشار هو آخر فنان أقدم عمله في تلك المحاضرة: شرقيات يتمطينَ في اللوحة ببلاهة عجيبة.
أذكر أنني قلت للحضور - الذي كان جله من الألمان والأوربيين - أن بشار هو الفنان الذي أضحك كلما تذكرته، دون فهم السبب؛ ففي حالة اليأس المدوي الذي تعيشه رام الله المحتلة والمحاصرة [احتلال وحصار في وقت واحد، سبحان الله!] يستطيع بشار أن يستجلب الضحك في رؤيته للأمور وفي تعامله مع مواضيعه، لا أعرف كيف أصفُ ذلك، ثمة عناصر من المرح وربما البلاهة في عمله. هناك ما يشي بأنه مصدوم ومخدوع وأن الشرقيات كلهن يخدعنه مع آخرين. ولهذا لا أستغرب أن يحاول بشّار التخلص منهن في هذا المعرض، بعرضهن هكذا على الملأ.
في برلين كنت أحسب نفسي الوحيد الذي يضحك، لكني سمعتُ الضحك من جنبات القاعة بلغات عديدة!