لما يخدم الفن قضية لم تعد تستطع ان تخدم نفسها من ينتصر للآخر : الفن أم القضية ؟
لينا أبو بكر/ القدس العربي
قبل عام ، كنت أستمع للروائي والمؤرخ البريطاني جون بيرجر يتلو جدارية درويش في حفل تأبينه هنا في لندن ، ويتحدث عن تجربته مع ترجمة النص الدرويشي ، ثم زيارته لقبر درويش وقد زار رام الله ، واقترب من فلسطين أكثر فتعرف الى الحركة الفنية والادبية هناك والى النشاطات الشبابية والطاقات الابداعية التي فوجئ بعزيمتها ورؤيتها ، عثرت في حديثه على يشدني الى بلاد هي لي ، إلى اناس هم أهلي الذين لا أعرفهم ولم أكن قد التقيتهم بعد ، كان الحنين الى ماسرد يأحذك الى اقتفاء أثر السرد عبر الصدفة ربما او عبر ما يتيح لنا الزمن من حظوظ رؤوفة ويقين واثق ان فلسطين بمقدورها أن تكون الحل وتكون الترحال معا .
بالصدفة كنت انتظر أن تصلني أعمال الصديق والقاص الكاتب الفلسطيني العزيز زياد خداش من فلسطين ، يحملها إليّ صديقه الفنان بشار الحروب ، أخبرني زياد عن بشار بما وُهِبْنا من وقت عبر المهاتفة ، وشعرت بنبرة اعتزاز في صوت خداش ، لا أخفيك يا قارئ القدس ، أنني أعربت عن رغبتي بلقائه ومحاورته حول هويته الابداعية و لغته ، لأظفر بالصدفتين ، فإذا به يبادل زياد خداش حماسه بحماس واثق ومطمئن الى ان الكتابة توق يروي ظمأه عبر قراءة زملائه فلا ينشغل بها عن فنه ولكنها تشغله إذ تسكنه كانه كاتبها فإن لم يكتبها هو فعلت هي عنه .
التقيته في لندن بعد عودته من الديار ، وحدثته عما سمعته قبل عام ، فكانت الصدفة الثانية أن بيرجر كتب له توصية للدراسة في إحدى الجامعات هنا في بريطانيا ، بل وكان توقف عند أعماله البصرية وخاصة ما لديه من احساس عالي اتجاه المكان والفضاء ثم المعنى الواضح للحركة التي تتنقل بين الوضوح والايماء ، لتبرز الموهبة المسرحية في تلك الاعمال ، كان هذا اثر حنون وصادق يتركه المبدع الفلسطيني في نفوس كبار الفنانين حول العالم ،و أخيرا إذن التقيت أحد أولئك الذين تعرفت إليهم من خلال ما صادفني من سرد ! هذه ليست ضربة حظ إنما هو يقين يرتب نفسه جيدا حتى ما إن استعد اتخذ هيئة الزمن..
مع بشار عليك أن تستقل يراعات مجنحة لتتمكن من التقاط ما لم يبح به من كلام ، لأن بين السطور عبارات هاربة الى فسح بصرية مضمرة بين الشفتين ...
المعنى الجوهري والاستعاري
ليس الفن عنده بديلا للواقع ولكنه مستمد منه ،الفن هو الحياة وكان من الصعب عليه ان يفاضل بينهما ، لأن الفن بالنسبة له ذلك الإصرار الحثيث على المقاومة وعلى الحياة نفسها، والدافع اليه تكسير الاطر الاجتماعية ، وتحدي الانماط الثقافية المنغلقة ، الفن هو الرؤية البصرية التي تعيد تشكيل المخزون البيئي والثقافي بوعي تام ربما كان أحيانا أقرب إلى وعي بول فاليري اتجاه الاشتغال الفني ، وأحيانا إلى ذلك الذي يحول التأثر الإبداعي إلى اسفنجة قادرة على امتصاص حتى تلك القطرات السرية المنسكبة من حبال غسيل متروك على أبواب بيوت مهجورة . وتلك أحدى مشاريعه التي نفذها في الاردن ، حيث مر بقرية خاوية أراد أن يبعث إليها الحياة بإثارة الانطباع لدى العابرين ان أهلها عادوا إليها ، وعاد معهم متاعهم ، مما لاشك فيه ان في هذا استعارة حية من الواقع الفلسطيني حيث كان من المفترض ان ينفذ مشروع العودة هذا هناك .
لم يخل الامر من استعارة الميثولوجيا ليس كأحد االبدائل المقترحة ، بل من منطلق الاسقاط التاريخي والفني معا ، وربما كان للحيوان كرمز حضوره اللافت في اعمال الحروب ، فالقط الحارس في الميثولوجيا الفرعونية ليس الا دعوة للبقاء الذي يشكل نوعا من الحماية للممتلكات والارض ، وهذا دمج بصري رائع بين تاريخين مختلفين .
هنالك وعي جذاب يأسرك في التعامل مع لغة بشار البصرية ، وفي الحديث إليه حيث يقول لك : " الفن بالنسبة لي هو خلق حلول مضاد للرحيل ، ولكن بأسلوب بصري فني قد لا أعتمد فيه الواقعية بشكل مطلق ولكن يهمني منه ان أثير السؤال فأكون جسرا بين المشاهد والعمل ليشعر نفسه جزءا منه" وهذا تفاعل حيوي بين طرفي المعادلة البصرية .
" هنالك اختلاط بين الوعي واللاوعي ، قد يبتدئ العمل بالاول ثم يسير باتجاه اللاوعي تماما لان هذا هو نتاج الظروف التي هيأها الوعي كتحفيز مسبق وهو ما يلغي لدي مبدا الاستنساخ او نسخ اخرين فانا ذاتي وفي التجريد ما يقود للبحث عن الخصوصية "
تقرأ الاراء النقدية التي يستعرضها الموقع الالكتروني الخاص بالحروب ، فتحس أنها تميل بالأغلب إلى ترجيح النزعة الفردية لدى هذا الفنان وهو مايراه هؤلاء اتجاها عاما لدى فناني الارض المحتلة ، ولن يتنصل بشار من هذا الترجيح ، بل سيؤكده لك ولكن بطريقة أكثر إيجابية ، لانه يرى ان الهم الذاتي ليس نزعة فردية بقدر ما هو انعكاس للتأثر بهذا الواقع الذي هو جزء منه ، ولا ينفصل او ينعزل عنه ، بل يذهب بك إلى أبعد من ذلك : " يتهمني البعض بالذكاء ، فمادتي البصرية تكاد تمثل واقعا بحتا مما يحفز المشاهد على المشاركة بها بشكل او بآخر ، عملي يجب ان يثير قلقا تساؤلا ، إنني أطرح فكرتي وجهة نظري سواء السياسية او الفنية من الجانب الانساني الخالي من الرمزية الفلسفية التي اعتدنا عليها "
المرأة بين البلاهة والسخرية
رأي الناقد نجوان درويش كان ملفتا ، فقد وقف عند المراحل الاولى في انتاج بشار الحروب ، واخص بالذكر معرض شرقيات ، حيث يعج النص البصري لديه بالأزرق كتعويض عن البحر والسماء ، وتحضر المرأة في تجليات لونية واجتماعية تحمل مفارقات انطباعية ربما او تعبيرية على الاغلب ، الانثى بين الحرمة والمرأة
وما حملته تلك النمادج من سمة غريبة نعتها درويش ب " البلاهة " وهذه صفة اطلقها الفنان بول غيرغسيان – حسب ما وجدت – على حالة الفوضى وحرية انفتاح الفنون على بعضها ثم السخافات التي يدعوها البعض بالتجريد ، الا ان حضور غيرغسيان بدا كإحالة او مرجع يستند اليه نجوان درويش في تقييم شرقيات بشار التي توقفت عند المرأة الحرمة المتمسكة بروح تراثها وثقافتها الشعبية وعند تلك المرأة المعاصرة وما تعايشه من حالة فقدان الهوية .. ولان هنالك فرق بين الطابع التهكمي الاقرب للسخرية وبين ما تثيره البلاهة من ضحك او استهزاء لدى المتلقي فان الحروب لا يمانع ان يقرا المشاهد لوحاته من جوانب لم يتقصدها هو لان في ذلك اثراء للمضامين المحتملة في العمل ، الا انه في ذات الوقت يرى ان النقد يتجه الى اغوار اكثر تعقيدا من البساطة التي تلتزمها لوحاته، الشعبية ، يخبرك بشار عن بيئته بحميمية وتلقائية واستحضار بصري أقرب الى الفطرية منه الى الفذلكة : " تجدين الرموز الحيوانية والكنعانية في اعمالي بكثرة ، عل سبيل المثال :الديك ، الذي فوجئت بان احد النقاد احاله إلى نزعة ذكورية ، بعيدة كل البعد عن الدافع الحقيقي لاستحضار هذا الحيوان في المنجز الابداعي ، انا ابن قرية وفلاح والديك يمثل جزءا من ذاكرتي وتاريخي ، ومضمونها الرمزي يشير الى صباحات طفولتي التي كان صياح الديك احد اهم جزئياتها ، انا لست فرويديا أبدا ، إنني ابن البساطة "
الفن المفاهيمي
ما بين لوحات الفرنسي الانطباعي رينوار الذي رسم أكثر من ستة آلاف لوحة على مدى ستين عاما برزت فيها المراة حالة خصبة ومتنوعة ، وبين الجنون بالنساء والجنون منهن في خلفية فان غوخ النفسية ، وبين موناليزا دافنشي وما اتناولع فرويد عن عقدة الامومة التي تكشفها ، وبين النسوية السريالية لدى دالي ان جاز لي القول ، كان لابد أن تشكل حواء اللون في العمل الابداعي مدخلا لعوالم الفنان الداخلية ، ومفتاحا لرؤيتة الفنية ، فما الفرق بين نساء هؤلاء وشرقيات بشار ؟
بشار يحصر نساءه الشرقيات في مرحلة مبكرة هي البدايات ، لينقطع عنهن لن اقول تماما انما بشكل شبه تام ، تراه السفر ؟ التنكر للاكتشاف الاول ؟
هل تتغير النساء ضمن القولبة البصرية التي يبدعها هذا السندباد الفلسطيني ؟
عليك ان توقن ان له عودة مع شرقياته لابد ، ولكنها لن تكون على الشاكلة الاولى لان مادته الخام لم تعد منقاة تماما من المكتسبات الخارجية بل اندغمت فيها لتنضج وتختمر كعجينة هي الارض .." قد اشتغل على الانثى من خلال مفهوم احر يبحث بعلاقة الانسان بالمكان مثلا ..أنا اسافر ، لان السفر منحني البحث الذي يقود الى الاكتشاف والمعرفة والاطلاع على تفاصيل ما اشتغل عليه ، انني اعتمد على الفن المفاهيمي ، أقرأ لاقترب من الزاوية الخاصة بي فتكون لي خصوصيتي بعيدا عن التشابه مع الاخر "
مشروعه "مونولوج" حمل الطابع التجريدي والمفاهيمي ، كما يقول مضيفا الى ان الفنون المعاصرة خرجت عن مسالة التصنيف المدرسي ، وانه يسعى الى ابتكار خلق فكرة للفن المفاهيمي دون اطار معين ، الفكرة لا تؤطر ، بل تستند الى زاوية تخص صاحبها وتخص ثقافته خلفيته مخزونه وهويته ، فالفنان الفلسطيني يختلف عن الفرنسي لما يطرح مسالة الهوية بالضرورة ..: " اشتغل من خلال عملي البصري على توثسق هويتي ليس لانني امس القضية الفلسطينية مباشرة انما لانني اتقاطع مع واقعي ، فتوجهي للجسد في المعرض الاول دافعه رغبة في تحدي واقع المحرمات والتابوهات الذي وجدت فيه "
هذا فنان يعي تماما ما سعى اليه محمود درويش وادوارد سعيد من تجاوز لمسالة حصر الفن والفكر في زاوية ضيقة والانطلاق الى الشمولية دون فقدان الخصوصية ... يقول : " طرحت نفسي بشكل معاصر يتفهمه العالم ، ويصدقه ، حكيت عن الواقع من خلال شكل بصري يتناسب مع ما هو مطروح في هذا الكون من مفهوم ومنطلق قضيتي وعالمي انا ، بيئتي الفلسطينية ساعدتني على التميز، وبالطبع القضية التي تقف خلف العمل مهمة لمعرفة العمل والعمل يقود لمعرفة القضية التي يعبر عنها ..أذهب لقضايا لها علاقة بالدمار الانساني والبيئي ، مؤخرا أحس انني اتجه الى الروحانيات الى التصوف تبعا لتاملاتي ولن اذهب في حديثي الى ابعد من ذلك لانه عليّ ان اكون اكثر اطلاعا على ما احس انني امر به "
المعادلة الابداعية
البحث عن المفهوم هو الاولوية بالنسبة لهذا الفنان البصري لان التقنية أداة " أنا متنوع بتقنياتي تنوع الحياة لاني وحدة بسيطة من وحداتها ، انني اوظف التقنية لخدمة المفهوم فالمفهوم هو من يقود الاداة لانه يسهل تعلم التقنيات "
وبين الفطرة والظرف والارادة استنادا الى يوصا وسارتر في تناولهما لفلسفة الشجرة الابداعية ان جاز لي ، يرى بشار ان البيئة التي عاش فيها من احتلال وقيود اجتماعية صارمة لم يكن لديها ما توفره للاستعداد الفطري وان الارادة هي التي تغلبت على انعدام الظرف المناسب .
" أنا بلا بحر ولا بحر يعوضني عن بحري "
تجربة السفر الى المغرب كانت فريدة لأنها المرة الاولى التي يسافر بها بشار الى مدينة يزنرها البحر من كل الجهات ، فالمغرب ماثلة امامه ببحرها من طنجة وحتى أغادير ، في حضن مدينة ساحلية يغفو وينام مع البحر ، لن تتوانى عن سؤاله حول الاضطهاد الذي يشكله البحر له وهو ابن بلاد محرمة على أهلها :
" اضطهاد فظيع أن يكون البحر لك وليس لك ، وقد عبرت تجربة شرقيات عن هذا الامر ، لانني لا استوعب فكرة ان يكون الانسان بلا بحر ، البحر المكان الزمان المجهول الحكايا الماء التواصل "
عد قليلا الى ذاكرة البحر ، لتعثر على زيارة يتيمة له لبحر يافا ، متسللا قبل الالفين الى بساط الماء بطرق غير قانونية – تصور ! كان خائفا أن يسأل عن هويته ، يختطف من الرعب نظرة الى البحر ويترك الباقي لحرس الاحتلال ، المنتشر على الشاطئ ، فأية مفارقة ؟
ربما كان سيهيأ إليك وأنت تستمع الى حديث بشار عن البحر أن البحر هو مشروع ذاكرة لم يعشها لكنها تعيش فيه كأنه ذاكرتها ، كم شغف ببحر طنجة ، بصوته ، بذاكرته التي تحيله الى بحر بادله خوفه ، كل بحر هو بحر يافا وكل رعب هو رعب اللقاء الأول ، فاية لغة مجبولة بالزرقة تلك التي يحتفي بها النظر ؟
الفن الجنون الذات
أحلامه آلامه حياته هي أفكاره ، بشار يجد أنه لا يحتاج لان يستعير أفكارا من حيوات الآخرين ، ففي بيئته ما يكفيه ويسد حاجته البصرية ، ليس منطويا إنما خجول يحاول أن يتغلب على خجله فيغلبه ، وقد تتفاجأ لو عرفت ان أقرب أصدقائه في أي مكان هو منظف المكان ..
يخاف ؟ نعم يخاف خوفا مشروعا ؟ كأنما هنالك خوف غير مشروع ؟ ممكن !
ولكن مم يخاف ؟ يخاف من الفنان ويتحيز للفن ، لكنه يتخذ منه موقفا لما يكتشف زيف صاحبه ، يرى أن حالة اللاوعي لدى الفنان أجمل من وعيه لأنها هي التي تحفظ الفن من مبدعه فتبقي عليه حقيقيا أكثر . وهو راي نابع من تجربة مع فرانسيس بيكون رغم انه يعترف بانه يتجنب الدخول في الجانب الشخصي للفنان لأن خبرته المتواضعة قد لا تسعفه ، ألا انه لا يجزم تماما وإن بدا مرجحا أن الفن حالة انفصام عن الذات .
أما جنونه فبينه وبين فنه ، لما يكون الفن أحيانا سرا رغم انه الجانب العلني من السر ولكنه هنا الوجه السري للعلنية ، هنالك جنون يحتفظ به الانسان لسره على هيئة مونولوج داخلي واحيانا اخرى يصطدم الجنون مع الواقع كما يقول بشار الا ان الانشطار الناتج عن قوة ذلك الاصطدام الخفي يولد طاقة حذرة ، فهذا الرجل البصري –فنيا- يخاف جنونه الذي لا يسهل لمن لا يعرفه عن قرب التنبؤ به ، وهذه بحد ذاتها مفارقة إبداعية مشحونة بالدهشة والصدمة معا !
بين التوازن والشتات
"إننا في فلسطين نعمل على الفن كمشروع للبقاء للصمود فجاليري المحطة برام الله يضم حركة شبابية فلسطينية تعقد ورشات دوليه داخل فلسطين نفسها وتضم ايضا 25 فنانا دوليا ، نشتغل جميعا من خلال هذه المؤسسة نرفض اي دعم خارجي أو أجنبي ، نشتغل على تطوير الفنانين الفلسطينيين ونوفر لهم ورشات عمل ونستقدم فنانين غربيين وعالميين كي نفيد من خبراتهم ونخلق مسافة فنية بين الفنون البصرية الفلسطينية ".
" أنا أخدم قضية شعب بكل شرائحه ، والفن عموما يبحث عن قضية يخدمها ويعبر عنها "
يتبادر الى الذهن سؤال اصعب من أن يجاب ، فمن اكثر أهمية الفن أم القضية ؟
بطبيعة الحال أسلوب طرح كل قضية كفيل بأن يخلق تكافؤا بين قطبي الكينونة كجوهر ابداعي وانساني ، لذا فإن الحيرة لا تشي بقلة إدراك بقدر ما تعكس توازنا فطريا ومعرفيا لدى الفنان الواعي لأهمية القطبين .
وهذه امور لابد تعيد الى ذهنك اعمال المبدع الفلسطيني اسماعيل شموط ومدى ما تعكس من مقاربة بين الحس الابداعي والحس القومي في المنجز الفني ضمن الشرط الزمني ، ومجمل الحراك البصري في النطاق الكوني ، فكيف يغير الزمن معيار النقد ليحوله الى انطباع مرحلي ؟
بشار لا يرى ان شموط كان على تماس مع الحراك المفاهيمي البصري وانه اهتم بالقضية على حساب الفن إذ انتمي الى التعبيرية الواقعية ، ..."الثقافة هي الغطاء الجميل الذي يجمل الثورة ، والفن والقضية كالعقل والقلب ، هنالك تحد حقيقي يواجهه الفنان الفلسطيني فكيف سيحكي عن الواقع الفلسطيني بعيدا عن الرمزية السائدة"
كيف يردم الفنان الفلسطيني إذن البرزخ القائم بين الوعي الابداعي والراهن السياسي مستندا الى الاستشفاف وليس السرد ، الى الاحساس وليس النقل ؟
الفن لا يخضع للتأثيرات الحزبية ، هو انتماء الى الواقع دون الانحسار فيه ، شمولية لا تلغي الخصوصية وكلها مفارقات لا مناص من الاستماتة لاجل التشبث بها نهجا حتى ينجو الفن لصالح قضيته .
يدلل بشار على هذا بمعرضه الذي أقامه في 2009 وتوقفت عنده نائلة خليل ، " مونولوج " طرحه الحروب طرحا مفاهيميا يحمل مضمونا فلسفيا ،ورؤرى علاجية حسب الناقد عصمت الاسعد على اعتباره علاجا سيكولوجيا للحصار الداخلي الذي كان خارجيا ثم تحول ليتخذ شكلا جوانيا ، حيث يتالف المعرض من13 لوحة هي مونولوجات تستعير رؤية درويشية ضمنية اذ تستحضر : حاصر حصارك لا مفر ... "فالحصار لن ينتهي من حياة الشعب الفلسطيني لذا يجب ان تتاح له مساحة كافية لنستوعبه في دواخلنا ، وفي اللوحة 13 الاخيرة اصل لحالة السلام الذاتي ، التي هي البياض المطلق ، انها عملية استنفاذ للحصار مجرد التخلص من عبء الهروب منه ، لذا لابد من اعطائه المساحة الكافية من التاثير وتوظيفه كدافع للحياة ، المراحل ال 13 هي مراحل العلاج من الواقع من المعاناة "
وهل ارق وارقى من هذا الأسلوب الفنان الذي يكرس مفهوما جديدا وعادلا للمقاومة في الوقت الذي التبست فيه المفاهيم بين ازدواجية اللغة وتشرذم التاويل السياسي !!
بين البوستر والجوافيتي والفيديو
التنوع البصري عند بشار الحروب هو لعب تقني وعدم احتمال على البقاء ضمن منظومة واحدة مما يحدوه للاتساع عبر فنون عدة تعكس فكرة واحدة هي الوجود كما يقول منذر جوابره ، ولكنه كما سيحلو للبعض ان يراه فنا للتكوين .
ما بين البوستر والفيديو والتركيب والرسم والطباعة والجرافيتي وما بين الفكرة ، يسعى هذا التكويني الى الجذور ليثبت اننا موجودون قبل التاريخ ، يبصم حذاءه الفدائي على الجدران كي يوثق لملكية تاريخية ممتدة لبيوت مهجرة ، ولكن ماذا عن ظاهرة الاحتجاج على الجدار العنصري الاسرائيلي من خلال الرسم عليه ؟
" أرفض هذا ، ليس علينا أن نجمل ما هو قبيح ، ان الرسم عليه ما هو الا تجميل له "
-ألا ترى في الرسم على الجدار جانيا آخرا ، نقش هدم مثلا ؟
" اتمنى ، لي فيلم فيديو مدته ثلاث دقائق اسمه الافق الرمادي يصور افقا داكنا وفي النهاية تكتشفين ان هنالك ما يفصله أرى أن هذه الرؤية أكثر جدوى "
يعيدك بشار فعلا الى مسألة الوجود فالرسم على الحيطان في العصور الحجرية كان مؤشرا تاريخيا على الوجود الانساني ،والاشتغال بالجرافيتي لديه اشتغال بالمشهد البصري لتحريك العقل وخلق الاسئلة واثبات الوجود .
اما البوستر ف" الشهيد " كان أهم عمل قام به بشار لأنه حمل فكرة شعبية وفلسفية في آن ، حيث جاء ليخترق التشابه الذي مثلته بوسترات الشهيد بحيث يعجز المطلع على معرفة ما اذا كانت قديمة ام حديثة ، لقد طرح كاريكاتورا للشهيد بدون اية ملامح وترك لكل فلسطيني مكانا يدون فيه اسمه في ظل حالة الموت المجاني وانعدام الامن الشخصي يصبح كل فلسطيني مشروع شهادة، لقد تفاعل الناس مع العمل وكتبوا اسماءهم على البوستر بمن فيهم بشار الذي راى في ما ناله البوستر من شعبية وانتشار ما يحيل الى بوستر جيفارا ..
يحدثك بشار عن شوقه لبلاده التي ولد فيها 1978 وعاش وربى ، يحدثك عما يتيحه السفر من تأمل للديار ، ويبدي اندهاشه من الطلاب الفلسطينيين الذين يفكرون بالبقاء في المنفى ، مؤكدا ان ارض ابداعه في فلسطين وأنه عائد اليها مهما يكن ...
ربما كان على بشار اذن ان يطرح لهؤلاء بوسترا اخر ربما يكون حقيبة يكتب عليها المهاجر : مشروع عودة مؤجل ! شاعرة عربية-لندن